المقريزي

330

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

ليالي كثيرة بقرافة الفسطاط ، وهي في شرقيها بها منازل الأعيان بالفسطاط والقاهرة ، وقبور عليها مبان معتنى بها ، وفيها القبة العالية العظيمة المزخرفة التي فيها قبر الإمام الشافعيّ رضي اللّه عنه ، وبها مسجد جامع وترب كثيرة عليها أوقاف للقرّاء ، ومدرسة كبيرة للشافعية ، ولا تكاد تخلو من طرب ، ولا سيما في الليالي المقمرة ، وهي معظم مجتمعات أهل مصر ، وأشهر منتزهاتهم وفيها أقول : إنّ القرافة قد حوت ضدّين من * دنيا وأخرى فهي نعم المنزل يغشى الخليع بها السماع مواصلا * ويطوف حول قبورها المتبتل كم ليلة بتنا بها ونديمنا * لحن يكاد يذوب منه الجندل والبدر قد ملأ البسيطة نوره * فكأنما قد فاض منه جدول وبدا يضاحك أوجها حاكينه * لما تكامل وجهه المتهلل وفوق القرافة من شرقيها جبل المقطم ، وليس له علوّ ولا عليه اخضرار ، وإنما يقصد للبركة ، وهو نبيه الذكر في الكتب ، وفي سفحه مقابر أهل الفسطاط والقاهرة ، والإجماع على أنه ليس في الدنيا مقبرة أعجب منها ولا أبهى ولا أعظم ولا أنظف من أبنيتها وقبابها وحجرها ، ولا أعجب تربة منها ، كأنها الكافور والزعفران مقدّسة في جميع الكتب ، وحين تشرف عليها تراها كأنها مدينة بيضاء ، والمقطم عال عليها كأنه حائط من ورائها ، وقال شافع بن عليّ : تعجبت من أمر القرافة إذ غدت * على وحشة الموتى لها قلبنا يصبو فألفيتها مأوى الأحبة كلهم * ومستوطن الأحباب يصبو له القلب وقال الأديب أبو سعيد محمد بن أحمد العميديّ : إذا ما ضاق صدري لم أجد لي * مقرّ عبادة إلّا القرافه لئن لم يرحم المولى اجتهادي * وقلة ناصري لم ألف رأفه واعلم أن الناس في القديم إنما كانوا يقبرون موتاهم فيما بين مسجد الفتح وسفح المقطم ، واتخذوا الترب الجليلة أيضا فيما بين مصلّى خولان وخط المغافر التي موضعها الآن كيمان تراب ، وتعرف الآن بالقرافة الكبرى . فلما دفن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب ابنه في سنة ثمان وستمائة بجوار قبر الإمام محمد بن إدريس الشافعيّ ، وبنى القبة العظيمة على قبر الشافعيّ ، وأجرى لها الماء من بركة الحبش بقناطر متصلة منها ، نقل الناس الأبنية من القرافة الكبرى إلى ما حول الشافعيّ ، وأنشأوا هناك الترب ، فعرفت بالقرافة الصغرى ، وأخذت عمائرها في الزيادة وتلاشى أمر تلك ، وأما القطعة التي تلي قلعة الجبل فتجدّدت بعد السبعمائة من سني الهجرة ، وكان ما بين قبة الإمام الشافعيّ ، رحمة اللّه